الشيخ محمد هادي معرفة

23

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وأجمل من استوفى الكلام في هذا الجانب من ميزة القرآن - حسبما قدّمنا - هو أبو سليمان البُستي . قال في بيان السبب الأوفى لدقيق تعبيره ورحيق عبيره : إنّ الذي يوجد لهذا الكلام من العذوبة في حسّ السامع ، والهشاشة في نفسه ، وما يتحلّى به من الرونق والبهجة ، التي يباين بها سائر الكلام حتى يكون له هذا الصنيع في القلوب ، والتأثير في النفوس ، فتصطلح من أجله الألسن على أنّه كلام لا يشبهه كلام ، وتحصر الأقوال عن معارضته ، وتنقطع به الأطماع عنها ، أمر لابدّ له من سبب بوجوده يجب له هذا الحكم وبحصوله يستحقّ هذا الوصف . قال : وقد استقرينا أوصافه الخارجة عنه ، وأسبابه النابتة منه ، فلم نجد شيئا منها يثبت على النظر أو يستقيم في القياس ويطّرد على المعايير . فوجب أن يكون ذلك المعنى مطلوبا من ذاته ومستقصى من جهة نفسه . فدلّ النظر وشاهد العبر على أنّ السبب له والعلّة فيه : أنّ أجناس الكلام مختلفة ، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة ، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية ، فمنها البليغ الرصين الجزل ، ومنها الفصيح القريب السهل ، ومنها الجائز المطلق الرسل ، وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود ، دون الهجين المذموم ، الذي لا يوجد في القرآن شيء منه البتة . فالقسم الأول أعلى طبقات الكلام وأرفعه . والقسم الثاني أوسطه وأقصده . والقسم الثالث أدناه وأقربه . فحازت بلاغات القرآن من كلّ قسم من هذه الأقسام حصّة ، وأخذت من كلّ نوع من أنواعها شعبة . فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة . وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادّين ، لأنّ العذوبة نتاج السهولة ، والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة ، فكان اجتماع الأمرين في نظمه - مع نبوّ كلّ واحد منهما على الآخر - فضيلة خصّ بها القرآن . وإنّما تعذّر على البشر الإتيان بمثله لُامور : منها أنّ علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وبألفاظها التي هي ظروف المعاني والحوامل لها ، ولا تدرك أفهامهم جميع